A place where you need to follow for what happening in world cup

أوكرانيا.. الحرب العالمية الدائمة

0

أوكرانيا.. الحرب العالمية الدائمة

رف العالم الحرب تاريخياً على أنها معارك بين جيشين أو أكثر، تدور في حيز جغرافي هو ميدان المعركة، وكل ما هو خارج ذلك الميدان يمكن اعتباره في منأى عن التعرض لنيران المعارك حتى تضع الحرب أوزارها، وتتم التسوية بين الأطراف بناء على نتائج المعارك نصراً أو هزيمة.

خارج هذه الصورة النمطية، تُنذر الحرب الحالية التي انطلقت شرارتها في أوكرانيا قبل شهر، بتعطيل لغة العقل والحكمة وتغليب منطق المصالح الذي يفترض في المتنافسين العناد الذي يتحكم في وسائل استخدام القوة، لضمان المصلحة الذاتية من جهة، وتعطيل مصلحة الخصم بغض النظر عن الكوارث الجانبية التي تسفر عنها المواجهات.

ويشكل مبدأ حماية المصالح أحد أهم منطلقات رسم استراتيجيات الدول، إلى جانب الأمن القومي، وما يوازيه من ذرائع قد تبرر الحرب. وعلى الرغم من أن مفهوم المصالح مفهوم فضفاض قد يطال كل شيء حتى التقينات والرقميات والذكاء الاصطناعي ومخرجاته، وهو ما شكّل أحد محاور التصعيد بين واشنطن وبكين في عهد الرئيس دونالد ترامب، فإن غياب الحكمة وتغليب منطق الهيمنة هو ما يثير القلق حول استمرار حالة الحرب بين القوى العظمى، سواء كانت عسكرية (كما هو الحال في الصدام الحالي بين روسيا والغرب)، أو اقتصادية تدار على عدة جبهات ويستعد العالم لدفع فواتيرها المتعددة التي ليس أقلها موت الأطفال جوعاً في الدول الأشد فقراً.

مصطلحات قديمة.. جديدة

ومن الواضح أن الحرب في أوكرانيا حفّزت الكثير من الدول على إعادة حساباتها في بيئة يغلب عليها التشدد والتصعيد، خاصة أن الأطراف المعنية بشكل مباشر بهذه الحرب تتسابق في نحت المصطلحات الرنانة، في إطار استراتيجيات الرد والرد المضاد، حيث نسمع عبارات مثل «الستار الحديدي»، وقائمة «الدول غير الصديقة»، تضاف إلى تعابير سابقة تغطي مساحات الخلافات الأخرى، مثل العقوبات وفقر الطاقة، والحصار المالي.

وقد عرف العالم في حروبه التاريخية حدوداً بين الحرب والسلم، صبغتها آلة الحرب العسكرية، بينما لا يبدو أن هذه الحرب المستعرة اليوم، تقف عند حدود وقف إطلاق النار أو التسويات على الأرض، وتبادل الأسرى، وما إلى هنالك. فمنذ البداية حددت موسكو مطالبها، وقررت رداً على العقوبات الغربية، تسديد ثمن الغاز بالروبل وليس بالدولار أو اليورو.

بالمقابل احتشدت دول الغرب صفاً واحداً وتناست الكثير من خلافاتها، فارضة سلسلة من العقوبات في إطار ما أطلقت عليه دوائر الدبلوماسية الغربية، مصطلح «الستار الحديدي» الذي فرض حصاراً على موسكو بهدف حرمانها من مصادر التمويل التي تغذي آلة الحرب، بدءاً من وقف خدمة التحويلات المالية «سويفت»، وانتهاء بتجميد حركة الأموال في البنك المركزي الروسي، والقائمة تطول.

وعلى جوانب الخارطة وفي بيئة مضطربة، وجدت بعض دول العالم في ما يجري، فرصة لتحقيق نقلة ما، على طريق إعادة تموضعها على الخارطة. فقد خرجت ألمانيا من عباءة «القوة الناعمة» القائمة على تطوير العلاقات من خلال التجارة، وهو المصطلح الذي لاقى رواجاً في سنوات العولمة، وأكسب برلين مكانة مرموقة كقوة صناعية وتجارية هائلة هيمنت على سياسة الاتحاد الأوروبي، وأثارت حفيظة واشنطن التي عمدت في عهد الرئيس دونالد ترامب إلى فرض رسوم جمركية على وارداتها منها، بدعوى تحقيق العدالة في العلاقة التجارية بين البلدين. وها هي ألمانيا ما بعد حرب أوكرانيا، تعلن صراحة، عن تغيير استراتيجيتها الدفاعية، وتخصيص مئة مليار يورو سنوياً لتعزيز قدراتها العسكرية، تحسباً لما قد تحمله المواجهة في المستقبل.

وبينما تفرض العقوبات المالية واقعاً جديداً في العلاقات بين الأطراف المتنازعة، تتصدر التقنيات الواجهة باعتبارها أهم أدوات المعركة المالية، خاصة أن تقنية الخدمات المالية (فينتك) هي عصب الحياة المعاصر. ومن هنا نجد التهديد بالحرمان من نقل التقنيات المبتكرة، يتصدر خطاب العقوبات، ما يدل على الأهمية القصوى التي تكتسبها التقنية في التخطيط الاستراتيجي المعاصر. وهذا يذكّرنا بالحرب التجارية التي تتصاعد حدتها حالياً، بعد أن كانت محور النزاع بين بكين وواشنطن التي فرضت حظراً على تقنيات شركة «هواوي» بدعوى حماية الأمن القومي الأمريكي، ذلك الحظر الذي تزامن مع حجب عدد من الشركات الصينية ومنعها من دخول الأسواق الأمريكية، والخشية المعلنة من وصول التقنيات الحديثة إلى أيدي الصينيين.

آثار سلبية على الدول النامية

وعلى هامش ميدان المعركة المفتوح تعاني مجموعة من دول العالم النامي التي لا ناقة لها في الحرب ولا جمل، من تهديدات أشد قد تصل إلى حد الاضطرابات السياسية التي تُطيح بعض حكوماتها التي تجد نفسها عاجزة عن مواجهة سيل من المشاكل بدأ مع تفشي جائحة كورونا، وقد لا ينتهي مع انتهاء المواجهة الحالية بين الغرب وروسيا.

والحقيقة أن الأغلبية العظمى من هذه الدول يعتمد اقتصادها على تصدير المواد الأولية والموارد الطبيعية، وتنتعش في زمن العولمة وتحرير التجارة، وهو ما لم يعد متاحاً في ظل المستجدات التي فرضتها الحرب؛ الأمر الذي يهدد اقتصاداتها بمواجهة حرب من نوع آخر، تتمثل في الركود ونقص الموارد المالية، ومنها المساعدات التي تتلقاها من الدول الغنية.

وقد برهنت المواجهة مع الوباء، على أنه من غير الممكن في عالم اليوم، الفصل الكلي بين دولة وأخرى أو قارة وأخرى، ما يعني أن مشاكل هذه الفئة سوف تنعكس سلباً على جميع الدول.

وقد تبدو هذه الصورة شديدة القتامة، وهي كذلك فعلاً، في غياب بارقة الأمل التي تحييها الجهود الدبلوماسية في حل النزاعات بين الدول. وعلى الرغم من أن الأنباء الواردة من إسطنبول تفيد بتحقيق تقدم في المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا التي قبلت أن تكون دولة محايدة بشروط، فإن تلك ليست نهاية القصة. فالشروخ التي أحدثتها الحرب حتى الآن، كافية لاستمرار بيئة الحذر والتوجس، بعد أن قضت الحرب على ما تبقى من ثقة بين الروس والغرب، كما أن الحرب وضعت أسساً جديدة لتنظيم العلاقات بين دول العالم في زمن تتسارع فيه الأحداث وتُفرز قوائم جديدة من المصالح المتعارضة التي لا بد أن يحرص كل طرف على حمايتها من منظوره الخاص.

المصدر: متابعات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.