A place where you need to follow for what happening in world cup

“الكوميديان” الذي يستبسل للدفاع عن أرضه.. مَن هو فولوديمير زيلينسكي؟

0

“الكوميديان” الذي يستبسل للدفاع عن أرضه.. مَن هو فولوديمير زيلينسكي؟

“هذه الليلة ستكون عصيبة، والعدو سوف يستخدم كل القوى المتاحة لديه لكسر صمود الأوكرانيين. مصير بلادنا يتحدَّد الآن”.

ناطقا بهذه الكلمات التي تحمل مزيجا من التحذير والدعوة للصمود، ظهر الرئيس الأوكراني الشاب ذو الأربعة والأربعين عاما فولوديمير زيلينسكي، مرتديا زيًّا عسكريا زيتونيا، في كلمة تلفزيونية في الخامس والعشرين من فبراير/شباط 2022، بعد يوم واحد من إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدء عملية عسكرية شاملة لاجتياح أوكرانيا. ومنذ ذلك الوقت، أصبح زيلينسكي وجها مألوفا في العناوين الرئيسية للصحف والقنوات العالمية كافة التي لا تتوقف عن نشر أخبار الأزمة الروسية الأوكرانية.

بالتأكيد، لم يكن زيلينسكي نفسه يتخيَّل في أي لحظة من لحظات حياته أن يحضر موقفا كهذا بنفسه على أرض الواقع، فهو لم يأتِ من خلفية سياسية أو حزبية، وليس جنرالا عسكريا متقاعدا، أو حتى رجل أعمال شقَّ طريقه إلى السلطة، ولكنه في الحقيقة ممثل كوميدي لطيف قضى حياته بأسرها أمام الكاميرا يُمثِّل مشاهد سينمائية معظمها درامية مضحكة، قادته مجموعة من الظروف المتشابكة لكي يصبح طرفا مباشرا في قلب أزمة عالمية بين الشرق والغرب هي الأخطر منذ الحرب العالمية الثانية.

فلنعد إلى الخلف قليلا، ونحاول أن نعرف كيف خرج الممثل الشاب من عالم الكوميديا الخيالي واقتحم عالم التراجيديا الواقعي ليصبح بطلا قوميا في قلب تهديدات لم يكن يحلم أن يشاهدها يوما في حياته.

بدايات فنية

وُلد فولوديمير زيلينسكي عام 1978 لعائلة يهودية في مدينة كريفي ريه في الجنوب الشرقي لأوكرانيا الذي تسود فيه اللغة الروسية، وعمل أبوه في منصب أكاديمي مرموق وهو رئيس قسم الاتصال والحوسبة في معهد كريفي ريه للاقتصاد، بينما عملت والدته مهندسة. أما جدّه فقد كان ضابطا في الجيش السوفيتي خلال الحرب العالمية الثانية، وأُعدم إخوته الثلاثة في الهولوكوست النازي.

سافر أبواه لفترة قصيرة إلى دولة منغوليا التي قضى فيها فولوديمير 4 سنوات من طفولته، ثم عادوا مجددا إلى أوكرانيا لينخرط في التعليم ويحصل على درجة الحقوق من معهد كريفي ريه التابع لجامعة كييف الوطنية للعلوم الاقتصادية، وهي الشهادة الجامعية التي لم يعمل بها قطّ في حياته لاحقا، لأن اهتمامه بالتمثيل والمسرح كان يطغى على دراسته طغيانا كاملا.

كرَّس فولوديمير اهتمامه بالفن منذ بدايات شبابه، مُلتحقا بعروض كوميدية على مسارح الجامعة وهو ابن السابعة عشرة من العمر. لاحقا، وعلى مدار سنوات وصولا إلى عام 2005، كوَّن زيلينسكي فريقا مسرحيا كوميديا باسم “كفارتال” (Kvartal) قدَّم العديد من العروض الكوميدية في مختلف المدن الأوكرانية، وأيضا مدن الاتحاد السوفيتي السابق بما فيه موسكو عاصمة روسيا، وهو ما أدَّى إلى اكتسابه بعض الشهرة التي أهَّلته لإنتاج برامج عبر القنوات الأوكرانية.

نجم الشباك

في عام 2008، وهو في بدايات الثلاثينيات من عمره، ظهر فولوديمير زيلينسكي في أول أدوار البطولة السينمائية في فيلم الدراما الكوميدي “الحب في المدينة الكبيرة”، الذي تبعه جزء ثانٍ عام 2009، ثم جزء ثالث عام 2014. يحكي الفيلم قصة مجموعة من الأصدقاء سافروا إلى مدينة نيويورك للعمل وقضاء أوقات ممتعة. أهَّل النجاح الكبير الذي حقَّقه الفيلم، بأجزائه الثلاثة، زيلينسكي لتصدُّر بطولة أخرى في فيلم من إنتاج أوكراني – روسي بعنوان “رومانسية العمل.. الوقت الخاص بنا”، الذي حقَّق نجاحا جيدا أيضا.

بقدوم عام 2012، ظهر زيلينسكي في دورين مهمّين في مسيرته السينمائية، الأول هو دور نابليون بونابرت في الفيلم الكوميدي الروسي الإنتاج “ريزيفسكي في مواجهة نابليون”، والثاني دور البطولة في فيلم “المواعيد الغرامية الثمانية الأولى”، وهو فيلم كوميدي درامي روسي الإنتاج، حاز نجاحا كبيرا أهَّله لإنتاج جزأين آخرين له من بطولة زيلينسكي أيضا عامَيْ 2015 و2016.

عموما، حظي زيلينسكي بمسيرة سينمائية جيدة ارتكزت على الدراما والكوميديا، لكن عام 2015 بالتحديد شهد التحوُّل الأكبر الذي كان بداية تغيير مسار الممثل الشاب تماما.

خادم الشعب عبر الشاشات

في أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام، وبعد عام واحد من موجة احتجاجات ضخمة شهدتها أوكرانيا أدَّت إلى الإطاحة برئيسها الأسبق الموالي لروسيا فيكتور يانوكوفيتش، ثم ضم روسيا لشبه جزيرة القرم إلى سيادتها وتقديمها للدعم للانفصاليين في شرقي أوكرانيا، أصبح الشارع الأوكراني بالكامل مهموما بالسياسة، بمَن فيهم الممثل الشاب فولوديمير زيلينسكي، وهو ما منحه فرصة لإنتاج وبطولة مسلسل تلفزيوني جديد باسم “خادم الشعب”.

يحكي المسلسل عن مدرس تاريخ بسيط للمرحلة الثانوية في الثلاثينيات من عمره، انتشر له شريط مصوَّر على منصة يوتيوب يُظهره وهو يستخدم ألفاظا نابية ضد الفساد والفاسدين في البلاد، الأمر الذي لاقى قبولا شعبيا كبيرا، وجعل الشباب والمراهقين في أوكرانيا يبدأون حملة واسعة لترشيح مدرس التاريخ البسيط إلى الرئاسة عبر سلسلة من الأحداث الكوميدية، وهو ما تحقَّق بالفعل، لينجح في الفوز بالانتخابات وتولي رئاسة الدولة. لاحقا، يبدأ الرئيس الذي جاء من بين صفوف الشعب سلسلة كبيرة من الإصلاحات في البلاد، ومكافحة الفساد، وإنهاء التوترات في بلاده.

المسلسل من إنتاج “شركة كفارتال 95” التي أسَّسها زيلينسكي نفسه، واستمر على مدار 3 مواسم، أولها كان عام 2015، ثم عامَيْ 2017 و2019، بإجمالي 51 حلقة يتراوح طولها ما بين 40 إلى 90 دقيقة للحلقة الواحدة. ومنذ بثّ الحلقة الأولى من المسلسل حاز إعجابا جماهيريا ضخما في أوكرانيا، وأصبح واحدا من أكثر الأعمال الفنية المتداولة بين فئات الشعب الأوكراني الذي كان منغمسا بالأساس في متابعة التقلبات السياسية في البلاد.

مع اقتراب نهاية الموسم الثاني، تحوَّل “خادم الشعب” من مجرد مسلسل جماهيري واسع الانتشار، كوميدي الطابع، يناقش مشكلات اقتصادية وسياسية يعاني منها الشعب الأوكراني، إلى تيار سياسي حقيقي فاعل على الأرض، ما أدَّى إلى واحد من أكبر الأحداث غرابة على مستوى البلاد، وهو التأسيس الرسمي لحزب سياسي حقيقي مستقل بالاسم نفسه في مارس/آذار عام 2018.

من الشاشة إلى الواقع

“أنا لست سياسيا، أنا فقط شخص بسيط جاء حتى يهدم هذا النظام”.

(فولوديمير زيلينسكي)

في عام 2019، بُث الموسم الثالث من مسلسل “خادم الشعب” تزامنا مع الإعلان عن ترشيح زيلينسكي رسميا لانتخابات الرئاسة الأوكرانية عن الحزب الذي ساهم في تأسيسه. كانت النتيجة التي أذهلت الجميع هي فوز الممثل الشاب بانتخابات الرئاسة بنسبة 70% في تصويت الجولة الثانية، ليتحوَّل الرئيس الخيالي في المسلسل إلى الرئيس الفعلي لدولة أوكرانيا، واحدة من أكبر دول شرق أوروبا سكانا وتأثيرا، وبالطبع من أكثرها اضطرابا.

مع تولي زيلينسكي الرئاسة، أعلن عن بدء خطة إصلاحات شاملة، حيث دعا إلى تطبيق معايير الحكومة الإلكترونية لضرب البيروقراطية والفساد في البلاد، ودعا إلى الوحدة بين الأجزاء الناطقة باللغة الأوكرانية والروسية. دَعَم هذه التوجهات فوزُ حزبه فوزا ساحقا في الانتخابات التشريعية بعد فترة قصيرة من تنصيبه رئيسا، مما جعله يستحوذ على صلاحيات واسعة تنفيذية وتشريعية.

ومع تركيزه على الظهور الإعلامي بصورة أوسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي، لا سيما عبر شبكة إنستغرام، خاض زيلينسكي في فترته الرئاسية عددا من المواجهات الإعلامية المتعلقة بسياساته، أبرزها حول رفع الحصانة القانونية عن عدد من أعضاء البرلمان المُشتبه في فسادهم، ومحاصرة مجموعة من كبار الأعمال الذين يُعتقد أنهم موالون لموسكو، وهو ما جعل منتقديه يتهمونه بالسعي وراء مركزية السلطة الكاملة وتعزيز موقفه الشخصي.

التهدئة التي انقلبت حربا

“الوضع خطير للغاية، هذا ليس فيلما. أنا لست رمزا أيقونيا، الشعب الأوكراني هو الرمز الأيقوني”.

(فولوديمير زيلينسكي)

كان إنهاء الصراع مع روسيا هدفا أساسيا مُعلنا من أهداف حملة زيلينسكي الانتخابية، حيث تعهَّد أنه سيبذل كل جهده لتوحيد الأوكرانيين الناطقين بالروسية والأوكرانية، وإنهاء الحرب في إقليم دونباس الشرقي، تلك الحرب التي اندلعت عام 2014 ونتج عنها سلسلة من الاضطرابات أدَّت إلى مقتل نحو 13 ألف شخص وإصابة عشرات الآلاف الآخرين.

خلال عامَيْ 2019 و2020، بدا أن الأوضاع بين كييف وموسكو في طريقها بالفعل إلى تحسُّن نسبي، حيث أُطلقت مفاوضات لإنهاء القتال وتبادل الأسرى، لكن التوترات الكبرى بين البلدين بدأت في التصاعد بسرعة عام 2021، تبع ذلك طلب مباشر من زيلينسكي للرئيس الأميركي جو بايدن بتسريع انضمام أوكرانيا لحلف الناتو. بنهاية العام، وبقدوم نوفمبر/تشرين الثاني، كانت الأزمة السياسية بين أوكرانيا وروسيا قد وصلت إلى حدٍّ غير مسبوق، مع بدء حشد عسكري روسي هائل على الحدود بين البلدين والتلويح بشنّ حرب شاملة لاجتياح أوكرانيا.

خلال الشهرين الأوّلين من عام 2022 كانت طبول الحرب تدق بلا توقف، مع ارتفاع هائل في حِدَّة التصريحات بين البلدين، وتدخَّل الاتحاد الأوروبي والناتو في حرب التصريحات لتهديد روسيا حول عواقب غزو أوكرانيا. لكن كل التهديدات لم تُثنِ الجانب الروسي عن بدء اجتياح أوكرانيا عسكريا، مع إعلان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خطاب الحرب فجر يوم 24 فبراير/شباط.

في الخنادق

“الرجل لم يهرب من البلاد ويذهب للاختباء في دولة أجنبية كما فعل الرئيس السابق، إنه يقاتل بيننا، ونشعر أنه يرشدنا الطريق”.

(مواطن أوكراني يعمل ميكانيكي سيارات في حديث لصحيفة واشنطن بوست)

في 17 فبراير/شباط، ظهر الرئيس الأوكراني الشاب مرتديا الزي العسكري برفقة الجنود الأوكرانيين المرابطين في أحد خنادق الخطوط الأمامية للمواجهة مع الروس. وعلى الرغم من التحذيرات الغربية المتصاعدة من اقتراب موعد الاجتياح الروسي، حاول زيلينسكي تهدئة مخاوف الشعب الأوكراني قائلا إن اندلاع حرب ليس بالأمر الجديد بعد 8 سنوات من الحرب في الحدود الشرقية.

ومع بدء الاجتياح الروسي، ازداد نشاط زيلينسكي ازديادا ملحوظا مستخدما وسائل الإعلام الاجتماعية، حيث خرج في فيديو برفقة مجموعة من الوزراء ينفي هروبه ويُعلن بقاءه في كييف حتى النهاية. لاحقا، عاد ليظهر مرة أخرى مخاطبا الشعب الروسي باللغة الروسية التي يُجيدها، طالِبا منهم التظاهر ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمنع مخططاته التي تحاول تقويض الديمقراطية في بلاده وحقها في تقرير مصيرها.

ورغم أن الحكومات الغربية عرضت نقل زيلينسكي خارج البلاد خوفا على حياته، رفض الرئيس الأوكراني الأمر مؤكِّدا أنه سيبقى في كييف برفقة الجنود، وأنه “في معركة تحتاج إلى ذخيرة وليس إلى وسيلة مواصلات تقلّه خارج البلاد”. كما نقلت وسائل الإعلام أيضا عن تعرُّضه لـ 3 محاولات اغتيال كادت تُنهي حياته منذ بدء الحرب.

هذه المواقف القوية والتصريحات البطولية الحماسية في مواجهة الاجتياح الروسي جعلت الممثل السابق والرئيس الحالي لأوكرانيا ينال شهرة دولية، حتى إن المؤرخ الغربي أندرو روبرتس شبَّهه برئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشل، كما وُصف بأنه “بطل قومي” في العديد من الصحف الغربية.

في النهاية، وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لا أحد يستطيع أن يتنبَّأ بالضبط بما ستؤول إليه أحداث هذه الحرب التي تتصاعد تصاعدا مخيفا يوما بعد يوم. المؤكَّد هو أن التاريخ سيتوقَّف طويلا أمام الممثل الكوميدي الذي أضحك الناس أثناء مشاهدتهم لمسلسله الخيالي الذي أدَّى فيه دور الرئيس، ثم ألهمهم بصموده -حتى الآن- عندما تولّى المسؤولية بالفعل.

المصدر: متابعات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.