A place where you need to follow for what happening in world cup

العرب والحرب في أوكرانيا

0

العرب والحرب في أوكرانيا

تحرك إيجابي مهم قامت به «مجموعة الاتصال» العربية المعنية بالأزمة الأوكرانية، التي شكلها مجلس وزراء الجامعة العربية في اجتماعه الأخير في شهر مارس/ آذار الماضي، وتضم في عضويتها وزراء خارجية مصر والجزائر والعراق والسودان واليمن، يرافقهم أحمد أبو الغيط أمين عام جامعة الدول العربية، إذ قامت الأسبوع الماضي بزيارة إلى موسكو، حيث اجتمعت مع وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف، وأخرى إلى وارسو حيث اجتمعت مع وزير الخارجية الأوكراني ديمتري كوليبا.

أكدت «مجموعة الاتصال» دعمها للمسار التفاوضي القائم بين روسيا وأوكرانيا كما أكد الوزراء العرب دعوتهم للطرفين للتواصل من أجل وقف عاجل لإطلاق النار ومناقشة إجراءات بناء الثقة، بما يمهد لحل دائم للأزمة في إطار القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.

كما أكد الجانب العربي رغبته في المساعدة في التوصل لوقف إطلاق النار، وإجراءات بناء الثقة، وبذل كل جهد ممكن في هذا الصدد.

التحرك العربي.. لماذا؟

التحرك العربي تجاه الأزمة الأوكرانية المحتدمة خطوة إيجابية بالرغم من تأخرها. وهو من الحالات النادرة التي تشهد تحركاً عربياً تجاه أزمة دولية كبرى، وعلى أساس موقف عربي مشترك. وبغض النظر عن النتائج المحتملة لهذه «الوساطة» العربية فقد كان تحرك «مجموعة الاتصال» وغيره من الاتصالات والجهود العربية تجاه الأزمة أمراً حتمياً. فالحرب الدائرة في أوكرانيا قريبة جداً من منطقتنا. وهي في حقيقتها مواجهة شاملة بين روسيا من ناحية والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو» من ناحية أخرى. وإذا كان «الناتو» لا يشارك بصورة مباشرة في المعارك العسكرية، فإن الأسلحة التي تتدفق على أوكرانيا من كل دوله، وعلى رأسها الولايات المتحدة وبريطانيا تشير إلى الطابع الشامل لهذه المواجهة بكل وضوح، فضلاً عن الاحتمالات الجدية لتوسيع نطاق المعارك.

إنها حرب من أجل تحديد مستقبل النظام العالمي كله، وهل يكون «نظاماً متعدد الأقطاب» أم نظاماً تنفرد فيه الولايات المتحدة وحلفاؤها بالهيمنة على العالم؟ وكل هذا له انعكاساته الأكيدة على الشرق الأوسط والمنطقة العربية.

وإذا كان الأمر كذلك من الناحية العسكرية، فإن المواجهة الاقتصادية والسياسية والإعلامية تجري على نطاق شامل للعالم بأسره ودون دخول في تفاصيل لا يتسع لها مقالنا فإن الولايات المتحدة والدول الحليفة لها تخوض «حرب تكسير عظام» ضد روسيا من خلال حزم متتالية من العقوبات الاقتصادية غير المسبوقة ومحاولة الضغط على دول العالم للانخراط في هذه المواجهة الشرسة، وروسيا من جانبها لا تدخر جهداً في استخدام كل أوراق القوة التي تمتلكها، وفي مقدمتها مواردها الطبيعية الهائلة من النفط والغاز، وعلاقتها الدولية بالغة الأهمية، وخاصة مع الصين والهند والبرازيل، وغيرها من الدول غير المستعدة للتضحية بمصالحها على مذبح نهج العقوبات الأحادية الأمريكية والغربية.

أزمة الطاقة

بمجرد أن اشتعلت الحرب في أوكرانيا تفاقمت بشدة أزمة الطاقة العالمية، وارتفعت أسعار النفط والغاز بصورة حادة، خاصة في ظل الضغوط الأمريكية على حلفائها الأوروبيين للاستغناء عن واردات النفط والغاز الروسي (40% من استهلاك أوروبا من الغاز – ترتفع إلى 55% في حالة ألمانيا، و30% من استهلاك النفط) وهو ما اتضح استحالته بدون توفير البدائل، والتي يحتاج توفيرها إلى سنوات.

وحاولت أمريكا الضغط على دول «الأوبك بلاس»- «الأوبك+» لزيادة إنتاجها بصورة تؤدي إلى إغراق الأسواق، بما يؤدي إلى توفير بدائل رخيصة للمستهلكين الأوروبيين من ناحية، وإلحاق الضرر بعائدات روسيا النفطية من ناحية أخرى، لكن الدول المنتخبة أعلنت التزامها بالحصص الإنتاجية المتفق عليها. والحقيقة أن هذه الدول لم يكن ممكناً أن تضحي بعوائدها المرتفعة، وتلحق الضرر بنفسها إرضاء لأمريكا خاصة بعد تجارب مؤلمة عانت فيها من انخفاض جاء في أسعار النفط خلال العقود القليلة الماضية.

أزمة الغذاء.. والمجاعة

أزمة الغذاء اشتعلت بدورها، حيث أعلنت روسيا وقف صادراتها من القمح لعدة أشهر. بينما تعطلت صادرات القمح الأوكرانية بسبب العمليات الحربية وحصار موانئ التصدير، ومعروف أن روسيا وأوكرانيا تساهمان بحوالي (36%) من صادرات القمح العالمية ( حسب أرقام المعهد الدولي لأبحاث الغذاء) تساهم روسيا ب (24%) منها، وهي أكبر مصدر للقمح في العالم، وتساهم أوكرانيا -رابع المصدرين- ب (12%).. وتساهم روسيا ب (14%) من صادرات الشعير العالمية وأوكرانيا ب (12%) ويساهم البلدان ب(17%) من تجار الذرة الصفراء.. المصدر الأساسي لأعلاف المواشي والدواجن.. وتساهم أوكرانيا بحوالي (50%) من صادرات زيت عباد الشمس العالمية، وروسيا (23%) وهكذا يتحكم البلدان في حوالي ثلاثة أرباع زيت الطعام الأكثر استخداماً في العالم. كما تصدر روسيا (17%) من الأسمدة البوتاسية و(15%) من الأسمدة النيتروجينية في العالم.

وبالنسبة للمنطقة العربية فإن روسيا وأوكرانيا تقدمان ما يتراوح بين (80-90%) من إمدادات القمح، وخاصة بالنسبة لمصر أكبر مستورد للقمح في العالم (12 مليون طن)، تليها العراق وسوريا والسودان ولبنان والجزائر وليبيا واليمن وغيرها، حيث تتميز واردات القمح والحبوب الروسية والأوكرانية بأسعارها المنخفضة نسبياً وانخفاض تكاليف الشحن لقرب المسافة. ويمكننا أن نتصور الكارثة التي تواجهها الدول الإفريقية والآسيوية الفقيرة من غياب أكثر من ثلث الصادرات العالمية، والارتفاع الحاد للأسعار بما يهدد بمجاعة حقيقة في تلك الدول وفقاً لتصريحات الخبراء والمسؤولين.

المصالح الغربية أولاً

نتيجة كل هذه المعطيات لا يملك المسؤولون العرب إلا أن يضعوها نصب أعينهم، فضلاً عن المعطيات الاستراتيجية المعروفة، وهم ينظرون إلى المواجهة المحتدمة الآن في أوكرانيا وحولها في هذا الإطار. ولذلك فإنه إذا كانت القدرات العربية على القيام «بوساطة» في تلك المواجهة محدودة، إلا أن «الحضور العربي» ولو في حدود «المساعي الحميدة» يظل مفيداً ومطلوباً.

وبديهي أن نقطة الانطلاق للمواقف العربية يجب أن تظل مصالح العرب وأمنهم القومي، لذلك فإن «النأي بالنفس» عن التورط في الخضوع لأي ضغط دولي هو الموقف الصحيح عربياً.. «النأي بالنفس» عن إغراق أسواق النفط، وعن الانخراط في منظومات العقوبات الأمريكية والغربية، وعن الحملات السياسية من أجل طرد روسيا من المنظمات والهيئات الدولية. فلا مصلحة للعرب في خوض معارك الآخرين، وإذا لم تكن «الوساطة» مؤثرة فلتكن «المساعي الحميدة» وليكن الموقف المتوازن.. موقف الحياد الإيجابي والدعوة للسلام.

المصدر: متابعات

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.